ابن كثير

220

السيرة النبوية

بعورة . فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، ويأذن لهم ويتسللون ، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك ، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى أتى على وما على جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي ، قال : فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا ؟ فقلت : حذيفة . فقال : حذيفة ! فتقاصرت للأرض فقلت : بلى يا رسول الله . كراهية أن أقوم . فقمت فقال : إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم . قال : وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا . قال : فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ومن تحته " قال : فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد فيه شيئا ! قال : فلما وليت قال : يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني . قال : فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد ، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول : الرحيل الرحيل . ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك ، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني . فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي ، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر ، فإذا أدنى الناس منى بنو عامر يقولون : يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم . وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا ، فوالله إني لاسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم ، الريح تضرب بها ، ثم إني خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت بي الطريق أو نحو من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا : أخبر صاحبك أن الله قد كفاه . قال : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلى ، فوالله